ابن العربي

591

أحكام القرآن

تعلق بهذا من قال : إن ابني آدم كانا من بني إسرائيل ، ولم يكن قبلهم . وهذا لا يصحّ لأن القتل قد جرى قبل ذلك ، ولم يخل زمان آدم ولا زمن من بعده من شرع . وأهمّ قواعد الشرائع حماية الدماء عن الاعتداء وحياطته بالقصاص كفّا وردعا للظالمين والجائرين ، وهذا من القواعد التي لا تخلو عنها الشرائع ، والأصول التي لا تختلف فيها الملل ؛ وإنما خصّ اللّه بني إسرائيل بالذكر للكتاب فيه عليهم ؛ لأنه ما كان ينزل قبل ذلك من الملل والشرائع كان قولا مطلقا غير مكتوب ، بعث اللّه إبراهيم فكتب له الصّحف ، وشرع له دين الإسلام ، وقسم ولديه بين الحجاز والشام ، فوضع اللّه إسماعيل بالحجاز مقدمة لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأخلاها عن الجبابرة تمهيدا له ، وأقرّ إسحاق بالشام ، وجاء منه يعقوب وكثرت الإسرائيلية ، فامتلأت الأرض بالباطل في كل فج . وبغوا « 1 » ؛ فبعث اللّه سبحانه موسى وكلّمه وأيّده بالآيات الباهرة ، وخطّ له التوراة بيده ، وأمره بالقتال ، ووعده النّصر ، ووفى له بما وعده ، وتفرقت بنو إسرائيل بعقائدها ، وكتب اللّه جلّ جلاله في التوراة القصاص محدّدا مؤكدا مشروعا في سائر أنواع الحدود ، إلى سائر الشرائع من العبادات وأحكام العاملات ، وقد أخبر اللّه في كتابنا بكثير من ذلك . المسألة التاسعة - قوله تعالى : مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ، وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً : هذه مسألة مشكلة ؛ لأنّه من قتل نفسا واحدة ليس كمن قتل الناس في الحقيقة ، وإنما سبيل هذا الكلام المجاز ، وله وجه وفائدة ؛ فأما وجه التشبيه فقد قال علماؤنا في ذلك أربعة أقوال : الأول - أنّ معناه من قتل نبيا ؛ لأنّ النبىّ من الخلق يعادل الخلق ، وكذلك الإمام العادل بعده ؛ قاله ابن « 2 » عباس في النبي . الثاني - أنه بمنزلة من قتل الناس جميعا عند المقتول ، إمّا لأنه فقد نفسه ، فلا يعنيه

--> ( 1 ) في ا : ونفق . ( 2 ) في القرطبي ( 6 - 146 ) : روى عن ابن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا .